المراجعات الفكرية لصندوق النقد

نظرا لحبي و احترامي البالغ ل “الليدي” كريستن لاجارد مديرة صندوق النقد الدولي، و التي فضحت فساد العديد من المؤسسات المصرفية و البنوك و السياسيين في الازمة الاقتصادية العالمية الاخيرة، فقد قررت بنية خالصة ان اعطي لنفسي فرصة حقيقية في ان اثبت انني اسيء الظن بالليدي كريستين و ان قرض صندوق النقد الدولي  فعلا “يحمل الخير لمصر”، و عليه فقد قررت حضور المناظرة التي نظمتها الجامعة الامريكية و تابعت ايضا باهتمام نفس المناظرة في برنامج يسري فودة. كان لدي اسئلة محددة سيخفق اي طرف من الاطراف في اقناعي بوجهة نظره ان لم يستطع الاجابة عليها:

–          ما هي شروط القرض بالتحديد؟ هل تم اعلانها؟ هل هي شروط عادلة؟ هل يمكننا طرحها للنقاش ؟ هل يمكن تعديلها بعد النقاش؟

–          هل هناك بدائل أخري منطقية و هل القرض فعلا هو اسرعها/أبطأها – اكثرها/أقلها منطقية ؟

كنت اتصور ان مؤيدي القرض لديهم بالتأكيد فكرة و لو مبدئية عن تلك الشروط، لكني فوجئت بهم يدافعون باستماتة عن شئ أقروا جميعا انهم لا يعرفون ما هو علي وجه التحديد، لكنهم لم يجدوا اي أوجه للغرابة في ذلك! ثم أكدوا أيضا أن القرض ليس البديل الوحيد و انه هناك بالتاكيد بدائل أخري، و أكدوا انهم برغم عدم معرفتهم بشروط القرض، الا اننا عندما نقرر الاقتراض، فانه يجب علينا قطعا الخضوع لشروط ما – قد تؤثر سلبا علي سياساتنا الاقتصادية- لاننا الطرف الاضعف و اننا لن نستطيع الحصول علي القرض فورا بل علي دفعات. حقيقة اسقط في يدي عند تلك النقطة، اذا كنا جميعا نتفق علي اننا لا نعرف الشروط و لكننا نعلم ان هناك قطعا بعض الشروط التي تجعلنا طرفا اضعف، و اذا اتفقنا ايضا علي ان هناك بدائل اخري متاحة و ان القرض ليس اسرع تلك البدائل فأين نقاط الاختلاف اذا؟ لماذا نحتاج الي مناظرة بالاساس؟! أو فلنطرح السؤال بطريقة مختلفة، لماذا يجد البعض ذلك القرض مغريا؟

استطعت بصعوبة و بعد حوار مفكك ان احدد سببين منطقيين فقط لاغراءات القرض و هما: نسبة الفائدة و قد جاء رد المعارضين مقنعا بالنسبة لي و لكن السبب الاخر الاهم كان في طرح المؤيدين لفرضية جدلية اخري و هي ان القرض بالرغم من ضآلته المتناهية مقارنة بنسبة لحجم العجز في الميزانية سيعيد ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري! و لكن لماذا سيتسبب القرض في ذلك؟ لان مصر بتطبيقها لشروط (توجيهات/سياسات أيا كان المسمي) صندوق النقد فانها سوف تضمن بذلك اصلاحات اقتصادية هيكلية تضمن القضاء علي العجز في الميزانية و تؤكد قدرتها علي الوفاء بمستحقات المقرضين الاخرين. و نحن بذلك امام فرضيتين اساسيتين و هما: سياسات صندوق النقد الاقتصادية هي قطعا أفضل من السياسات الاقتصادية المصرية، بل ان الاقتصاديين المصريين اصحاب مشروع النهضةغير قادرين علي رسم سياسة اقتصادية ناجحة بدون الحصول علي مساعدة/مراقبة خارجية مدفوعة الاجر لنضمن عدم تكرار الاخطاء، و الفرضية الثانية هي ان المؤسسات المصرفية و المستثمرين الاجانب يثقون قطعا بسياسات صندوق النقد بنفس قدر ثقتنا نحن الشديدة بها! و بالرغم من ردود المعارضين المقنعة، الا ان لدي المزيد لاضافته عن تلك الفرضيات نظرا لتجربتي الشخصية معها و تحديدا عندما وجدت نفسي مصادفة مطالبة بتقديم ورقة بحثية لمادة ال “Macroeconomics for International Business” في “Manchester Business School” لمناقشة “كيف اسهمت سياسات صندوق النقد و البنك الدولي في تدمير اقتصاد قارة افريقيا”!

بالرغم من مشاعري السلبية تجاه صندوق النقد، الا انني قد صعقت من ان يطلبوا مني ذلك في كلية لادارة الاعمال يمكن تصنيفها – ككلية لادراة الاعمال- علي انها احدي اعرق قلاع الرأسمالية في اوروبا! بدأت العمل في الورقة مع فريق مكون من هندي، روسية، أمريكية و صينية، وجدوا انفسهم بعد الانتهاء من تلك الورقة مضطرين كلما رأوني الي التعبير عن حزنهم العميق و الاعتذار عما سببته حكوماتهم المتعاقبة من دمار سواء عن طريق دعمهم لسياسات الصندوق او عن طريق التدفق المباشر لاستثماراتهم)  (FDI! و لكن بعيدا عن المشاعر المرهفة لاصدقائي ، اريد ان اتحدث هنا عن المشاعر التي يكنها صندوق النقد لنفسه و التي يمكن تلخيصها بمثال بسيط متمثل في ورقة اصدرها صندوق النقد عام 2009 بعنوان ” “Mining Taxation: an application to Mali”” يتحدث فيها عن ان السياسات التي فرضها كل من صندوق النقد و البنك الدولي علي مناجم الذهب في مالي قد فشلت فشلا ذريعا و ان تلك السياسة قد حملت الدول النامية خسارة تقترب من 160 مليار دولار سنويا!

http://www.financialtaskforce.org/2010/06/30/gold-mining-in-mali-who-really-profits/

http://www.imf.org/external/pubs/ft/wp/2010/wp10126.pdf

لدي امثلة اخري عديدة توضح حجم المشاعر السلبية التي يحملها صندوق النقد تجاه نفسه و تجاه سياساته لكني لن اطيل عليكم، و قد صدمت حقيقة عندما تحدث أ. هانى جنينة في المناظرة عن النجاح الهائل الذي حققته سياسات صندوق النقد خاصة في اندونيسيا و دول أمريكا اللاتينية! لماذا اختار اندونيسيا تحديدا لا اعلم، لكني اعلم جيدا ان كلا من صديقتي الاندونيسية رحماواتي و صديقي الاندونيسي رستن اخبراني بعد سقوط مبارك انهما قد خرجا أيضا عام 1998 في ثورة اسقطت سوهارتو الذي حكم اندونيسيا لمدة 31 سنة بعد ان دمرت سياسات صندوق النقد ،الذي اوصي بتعويم العملة الاندونيسية و اتباع اجراءات تقشفية صارمة من اجل الحصول علي قرض من الصندوق، اقتصاد اندونيسيا تماما و خسرت صديقتي كل ما كان يدخره والدها من اجل تعليمها بسبب انهيار سعر الصرف و الارتفاع الجنوني لسعر الفائدة بعد تعويم الروبية الاندونيسية! ربما افقدت الصدمة صديقتي صوابها و كان ما ذكرته محض هراء، اذا فلنستند الي رواية البنك الدولي نفسه عما حدث في اندونيسيا بعد تطبيقها السياسة الاقتصادية الناجحة طبقا لرأي أ. هاني جنينة

http://web.worldbank.org/WBSITE/EXTERNAL/COUNTRIES/EASTASIAPACIFICEXT/INDONESIAEXTN/0,,contentMDK:22583615~pagePK:1497618~piPK:217854~theSitePK:226309,00.html

أو ربما يمكننا الاستناد الي موقف الرئيس الاندونيسي اللاحق نفسه: “وأعرب الرئيس الإندونيسي سوسيل بامبانغ يودهويونو عن هذا الموقف خلال قمة قادة كبري الدول الصناعية (مجموعة 20) في واشنطن. وتردد أنه أكد “إندونيسيا لن تتبع وصفة صندوق النقد الدولي في معالجة الأزمة المالية العالمية… فما زال علينا أن نستخلص الدروس من تلك التجربة”

http://www.ipsinternational.org/arabic/print.asp?idnews=1382

ربما لا يعلم المؤيدين للقرض ان اندونيسيا تحديدا لم تنضم الي قائمة النمور الاسيوية الا بعد اسقاط سوهارتو و افلاتها بذلك من قبضة الصندوق! و ربما لا يعلموا انه في ذلك اليوم الذي كانت تحتفل فيه المكسيك بانضمامها لقائمة اغني 20 دولة في العالم (G20) بعد ان طبقت سياسات صندوق النقد (الناجحة)، كان الكومندانت ماركوس يقف هناك وقفته الشهيرة ليعلن لهم عن اعتذار نصف شعب المكسيك عن الاحتفال معهم لانهم راقدون هناك تحت خط الفقر! و تعليقا علي تلك القصة اخبرني صديقي المكسيكي (و هو اقتصادي ناجح مؤيد لاقتصاد السوق و له خبرة تقرب من ال 8 سنوات في العمل الحكومي و تأسيس الشركات عابرة القوميات) ، أخبرني انه يستطيع ان يجزم فعلا بان السياسات الاقتصادية التي انتقلت بها المكسيك الي مصاف الدول المتقدمة قد ضاعفت الهوة بين الاغنياء و الفقراء في المكسيك بشكل لا يستطيع اي أبله انكاره!

ربما لا يعلم المؤيدين أيضا ان ثقة العالم أجمع (خاصة المستثمرين) في جميع المؤسسات الدولية و جميع كليات ادارة الاعمال الكبري قد انهارت مع انهيار القطاع المصرفي عام 2009، بعد ان فشل كل هؤلاء في التنبؤ بالكارثة. فيكفي مثلا ان تقرأ في الفاينانشيال تايمز الهجوم الضاري من المستثمرين علي البنك المركزي البريطاني الذي فشل كليا في التنبؤ بمعدل التضخم السنوي في بريطانيا مما الحق ضررا بالغا بالمستثمرين لتعلم مدي غضب المستثمرن من تلك المؤسسات، يمكنك أيضا ان تجد هجمة اكبر علي ال forecasting models  التي صممتها مؤسسات دولية مثل البنك الدولي و صندوق النقد و غيرها لافتقادها الي بعض المتغيرات البديهية التي تؤثر بصورة كبيرة علي نتيجة التنبؤات الاقتصادية. يمكنكم أيضا ببساطة البحث علي جوجل عن “are business schools responsible for the financial crisis” لتجد 45 مليون رابط يتحدث عن المعايير التي تربي عليها رجال الاعمال في كليات الادارة الكبري التي اخرجت جيلا كاملا فشل في توقع كارثة بهذا الحجم، ببساطة لان درجة احساسه بالخطر كانت أقل مما ينبغي و درجة اقتناعه بالحلول قصيرة المدي سريعة التأثير كانت أكبر مما ينبغي.

تسببت الكارثة الاخيرة في تغييرات جذرية عالمية و مراجعات فكرية تكاد تشبه في حدتها المراجعات الفكرية للجهاديين في سجون مبارك. واحد من تلك المراجعات”الجهادية” كان اعتراف صندوق النقد بفشل الكثير من سياساته و اتخاذه اجراءات جذرية تهدف الي تلميع صورته و انقاذ ما تبقي من سمعته منها مثلا تعيين كريستين لاجارد ،التي طالما انتقدت سياساته، علي رأس تلك المؤسسة. عزيزي مؤيد القرض، ان كان اهتماماك الرئيسي الان منصب علي المستثمرين الاجانب، فيجب عليك أن تدرك جيدا قبل اتخاذ قرارك بالتأييد او المعارضة بان المستثمر الاجنبي يختلف شكلا و موضوعا عن غالبية المستثمرين المصريين، اصحاب مصانع الشيبسي و اللبان و اغنياء الانفتاح و المتربحين من الفساد (الا من رحم ربي). المستثمر الاجنبي يعلم جيدا الان ما هي المؤسسات التي يمكنه الوثوق بها و متي يمكنه ان يثق بها!

عزيزي مؤيد القرض: انظر حولك قليلا، لربما تستطيع ان ترصد العالم الذي يتغير من حولك. و لان كان هناك شيء واحد تستطيع ان تشكر صندوق النقد عليه بحرارة، فان هذا الشيء هو انه ساهم بسياساته في سقوط اثنين من اعتي و اقدم الديكتاتوريات في العالم: سوهارتو و مبارك!

————-

جميع المصادر متوفرة لمن يريد التحقق او القراءة اكثر في الموضوع

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s